ابن قيم الجوزية

436

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وقال : « من قال حين يسمع النداء : رضيت باللّه ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد رسولا . غفرت له ذنوبه » . وهذان الحديثان عليهما مدار مقامات الدين ، وإليهما ينتهي . وقد تضمنا الرضى بربوبيته سبحانه وألوهيته . والرضى برسوله ، والانقياد له . والرضى بدينه ، والتسليم له . ومن اجتمعت له هذه الأربعة : فهو الصّديق حقا . وهي سهلة بالدعوى واللسان . وهي من أصعب الأمور عند الحقيقة والامتحان . ولا سيما إذا جاء ما يخالف هوى النفس ومرادها من ذلك : تبين أن الرضى كان لسانه به ناطقا . فهو على لسانه لا على حاله . فالرضى بإلهيته يتضمن الرضى بمحبته وحده ، وخوفه ، ورجائه ، والإنابة إليه ، والتبتل إليه ، وانجذاب قوى الإرادة والحب كلها إليه . فعل الراضي بمحبوبه كل الرضى . وذلك يتضمن عبادته والإخلاص له . والرضى بربوبيته : يتضمن الرضى بتدبيره لعبده . ويتضمن إفراده بالتوكل عليه ، والاستعانة به ، والثقة به ، والاعتماد عليه . وأن يكون راضيا بكل ما يفعل به . فالأول : يتضمن رضاه بما يؤمر به . والثاني : يتضمن رضاه بما يقدر عليه . وأما الرضى بنبيه رسولا : فيتضمن كمال الانقياد له . والتسليم المطلق إليه ، بحيث يكون أولى به من نفسه . فلا يتلقى الهدى إلا من مواقع كلماته . ولا يحاكم إلا إليه . ولا يحكم عليه غيره ، ولا يرضى بحكم غيره البتة . لا في شيء من أسماء الرب وصفاته وأفعاله . ولا في شيء من أذواق حقائق الإيمان ومقاماته ولا في شيء من أحكام ظاهره وباطنه . ولا يرضى في ذلك بحكم غيره . ولا يرضى إلا بحكمه . فإن عجز عنه كان تحكيمه غيره من باب غذاء المضطر إذا لم يجد ما يقيته إلا من الميتة والدم . وأحسن أحواله : أن يكون من باب التراب الذي إنما يتيمم به عند العجز عن استعمال الماء الطهور . وأما الرضى بدينه : فإذا قال ، أو حكم ، أو أمر ، أو نهى : رضي كل الرضى . ولم يبق في قلبه حرج من حكمه . وسلّم له تسليما . ولو كان مخالفا لمراد نفسه أو هواها ، أو قول مقلّده وشيخه وطائفته . وهاهنا يوحشك الناس كلهم إلا الغرباء في العالم . فإياك أن تستوحش من الاغتراب والتفرد . فإنه واللّه عين العزة ، والصحبة مع اللّه ورسوله ، وروح الأنس به . والرضى به ربا ، وبمحمد صلى اللّه عليه وسلم رسولا وبالإسلام دينا . بل الصادق كلما وجد مس الاغتراب ، وذاق حلاوته ، وتنسّم روحه . قال : اللهم زدني اغترابا ، ووحشة من العالم ، وأنسا بك . وكلما ذاق حلاوة هذا الاغتراب ، وهذا التفرد : رأى الوحشة عين الأنس بالناس ، والذلّ عين العزّ بهم . والجهل عين الوقوف مع آرائهم . وزبالة أذهانهم ، والانقطاع عين التقيد برسومهم وأوضاعهم . فلم يؤثر بنصيبه من اللّه أحدا من الخلق . ولم يبع حظه من اللّه بموافقتهم فيما لا يجدي عليه إلا الحرمان . وغايته : مودّة بينهم في الحياة الدنيا . فإذا انقطعت الأسباب . وحقّت الحقائق ، وبعثر ما في القبور ، وحصّل ما في الصدور ، وبليت السرائر ، ولم يجد من دون مولاه الحق من قوة ولا ناصر : تبين له حينئذ مواقع الربح